جامع الإمام الأعظم في الاعظمية

جامع الإمام الأعظم في الاعظمية

سيرة الامام ابي حنيفة النعمان




 ولد أبو حنيفة النعمان بن ثابت بن زوطي بن ماه الكوفي بمدينة الكوفة بالعراق سنة 80 هجرية وعاش حياته يسعى إلى طلب العلم والرزق معاً، ولا يطلب العلم إلا من أهله، ولا يأكل إلا من عمل يده لأن مبدأه في الحياة كان أن يكرم نفسه وعلمه عاقداً العزم على ألا يأكل إلا من كسب يده، وظل على هذا المبدأ إلى أن توفاه الله عام 150 هجرية، حيث دفن في مقبرة الخيزران في بغداد. 
كان الإمام أبو حنيفة من العابدين الزاهدين الساعين إلى إبتغاء رضا الله ورحمته، واصلاً للارحام عفيف اللسان حريصا على مساعدة الفقراء والمحتاجين، لأ يألوا جهداً في التخفيف عن هموم الآخرين والتفريج عن كروبهم، صواماً بالنهار، قواماً بالليل، مستغفراً بالأسحار، قارئاً للقرآن الكريم، ومتفكراً في آياته.وكان إذا قرأ «سورة الزلزلة» اقشعر جلده، وخاف قلبه ويقول:» يا من يجزي بمثقال ذرة خيرا فخير، ويامن يجزي بمثقال ذرة شراً شراً أجر عبدك النعمان من النار، وباعد بينه وبين ما يقربه منها». وكان من أولئك الذين يقيمون الصلاة ويأتون الزكاة، فقد كان رضي الله عنه يحصي كل عام أرباح تجارته ويستبقي منه ما يكفي لأعمال البيع والشراء، ثم يقوم بإعطاء ما يتبقى-على كثرته- للفقراء والمحتاجين واليتامى.ويقال إن الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان كان ذات يوم سائراً في الطريق والتقى جماعة من الناس وسمعهم يقولون فيه: «إن هذا الرجل الذي ترونه أمامكم لا ينام الليل.. فقال لهم: إني عند الناس على خلاف ما أنا عليه عند الله تعالى والله لا يتحدث الناس عني منذ الساعة بما لا أفعل، ولن أتوسد فراشا بعد اليوم حتى ألقى الله».وكان من أخلاقه رضي الله عنه أنه كان «طيب المعاشرة، حلو المؤانسة يسعد به جليسه ولا يتعب به من غاب عنه، ولو كان عدواً له».. وقد حكي أحد الأصدقاء المقربين منه أنه سمع عبدالله بن المبارك يقول لسفيان الثوري يا أباعبدالله ما أبعد أبو حنيفة عن الغيبة، فما سمعته يذكر عدواً له بسوء قط، فقال له سفيان: إن أبو حنيفة أعقل من أن نسلط على حسناته ما يذهب بها.ومن الصفات التي عرف بها أيضا جوده وكرمه ويقال عنه في ذلك أنه كان إذا انفق على عياله نفقة تصدق بمثلها على غيرهم من المحتاجين.. وإذا اكتسا ثوباً جديداً كسا المساكين بقدر ثمنه، وكان إذا وضع الطعام بين يديه عرف منه ضعف ما يأكله عادة ودفع به إلى الفقراء.وتذكر كتب السيرة ومآثر التابعين أن إمرأة عجوز أقبلت على أبو حنيفة ذات يوم تطلب ثوباً من حرير، فلما أخرج لها الثوب المطلوب قالت له: إني امرأة عجوز ولا علم لي بالأثمان، فبعني الثوب بالثمن الذي اشتريته على أن تأخذ ربحاً قليلاً فيه لأني امرأة فقيرة وليس معي من المال الكثير، ولأنه كان محباً لفعل الخير فقد قال لها: «إني اشتريت ثوبين اثنين في صفقة واحدة ثم إني بعت أحدهما برأس المال إلا أربعة دراهم فخذيه بها ولا أريد منك ربحاً».ومن الصفات الطيبة التي تميز بها أبو حنيفة أنه كان لا يبتغي إلا مرضاة الله ولم يسع يوماً إلى خطب ود الملوك والأمراء، ويحكي أن الخليفة المنصور، دعا أبو حنيفة ذات يوم إلى مجلسه بالقصر، وعندما التقيا أكرمه واستقبله مرحباً فرحاً بتلبية أبو حنيفة دعوته، وقد استمر مجلسهما طويلاً لأن المنصور أخذ يسأله عن كثير من المسائل المتعلقة بأمور الدين والدنيا وبعد انتهاء الزيارة، أراد المنصور أن يعبر عن تقديره للعلم الذي أتاه الله أبو حنيفة وعزة نفسه وعذوبة حديثه، فأخرج كيساً من النقود به 30 ألف درهم، ولكن الإمام أبو حنيفة النعمان رضي الله عنه رفض هدية المنصور، وقال له بأسلوب جميل كعادته دائماً في التحدث إلى الآخرين: «يا أمير المؤمنين إني غريب في بغداد وليس لهذا المال موضع عندي وإني أخاف عليه فاحفظه لي في بيت المال حتى إذا احتجته طلبته منك».. فلبي له المنصور ما أراد وحقق له رغبته، ولكن لم يمهل القدر أبي حنيفة لكي يأخذ المال لأنه توفي بعد هذه الزيارة بفترة قصيرة.مذهب أبو حنيفة«إني آخذ بكتاب الله إذا وجدته، فما لم أجده فيه أخذت بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا لم أجد فيها أخذت بقول أصحابه من شيء، وادع قول من شيء، ثم لا أخرج من قولهم إلى قول غيرهم، فإذا انتهى الأمر إلى إبراهيم، والشعبي والحسن وابن سيرين وسعيد بن المسيب فلي أن أجتهد كما اجتهدوا».. كانت هذه أصول مذهبه ونهجه في تناوله للأمور الفقهية، مؤسساً مدرسة فقهية تتلمذ فيها على يديه العديد من الفقهاء على مر العصور، الذين حملوا الراية من بعده.ومثلما كان ينفق على الفقراء والمساكين، كان أيضاً يرى ضرورة الاهتمام بطلبة العلم والدارسين، وهو يعتبر من الذين أول من نادى بتبني القادرين وذوي الأموال، للعلم ومساعدة المهتمين بالبحث سواء في العلوم الدينية أو الدنيوية، وخير دليل على ذلك أنه كان يقوم بتخصيص جزء من أرباح تجارته لكي ينفقها على أبنائه من طلاب العلم وتوفير كل ما يحتاجونه وكأنه يتكفل بهم أمام الله محبة وتقديرا لحبهم العلم والمعرفة، وكان يقول لهم «هذه أرباح بضائعكم أجراها الله لكم على يدي. والله ما أعطيتكم من مالي شيئاً وإنما هو فضل الله عليّ فيكم».وتعتبر المبادئ التي اعتنقها أبو حنيفة في مذهبه وسار عليها تلامذته، هي المبادئ نفسها أو الطريق الذي سار فيه الأئمة الأربعة وغيرهم من التابعين، من حيث الرجوع إلى القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة ومحاولة استنباط الأحكام الشرعية منها، إلا أن أبا حنيفة اختلف عنهم في عدم الوقوف أمام ظاهر النصوص فقط التي اشتمل عليها القرآن والسنة، وإنما كان يرى ضرورة تتبع المعنى الظاهري وإن لم يف بالحاجة إلى استنباط الأحكام الفقهية، ينتقل إلى مرحلة أخرى وهي النظرة المتعمقة والتدبر في معاني الكلمات المستترة ومحاولة تقصي حقائق الأمور.الفقه التقديريمن شدة ذكاء وفطنة الإمام أبو حنيفة التي وهبها الله له، أن اجتهاده في المسائل الفقهية لم يقف عند حد الظاهر والمطروح في فترة حياته أو اقتصارها على المسائل التي تفرض نفسها وتشغل عقول المسلمين في وقاتها، ولكنه كان يذهب إلى ما هو أبعد من ذلك من حيث تتبع القضية الفقهية والعمل على التنبؤ بما سوف ينتج عنها من إشكاليات تالية والعمل على التعامل معها كما لو كانت موجودة بالفعل ثم تناولها وفقاً للمبادئ التي يقوم عليها مذهبه ونهجه في التفسي وإصدار ما يتناسب معها من أحكام والتي بلغت في مجملها حوالي 60 ألف مسألة تقديرية.
وهذه الطريقة أطلق عليها علماء الفقه والدين ظا هرة «الفقه التقديري أو الإستباقي» انفرد بها أبو حنيفة بين الأئمة الأربعة.ولقوة منطقه وصحة آرائه قال عنه قال النضر بن شميل: «كان الناس نياماً عن الفقه حتى أيقظهم أبو حنيفة بما فتقه وبيّنه».

سير أعلام النبلاء



جامع الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان رحمه الله

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبة ومن والاه، أمــا بعد:
فإن من أبرز من قدم هذا الإمام الهمام للناس هو ما كتبه الإمام الذهبي بترجمته لسيرة الإمام أبي حنيفة النعمان، في كتابه الجامع ((سير اعلام النبلاء))، وكانت ترجمته له منارة يهتدى بها أولوا العلم، وخيمة يستظل بها أهل الفهم، بعد ان ظلم هذا الفقيه المجتهد الأصيل، والمحدث الناقد النبيل، وعالم بغداد الأول في ميزان كل عصر وجيل. ..أقرأ المزيد

القصائد التي وردت في مدح فضائل الإمام أبي حنيفة النعمان رحمه الله


ورد في مدح الإمام أبي حنيفة النعمان رحمه الله الكثير من القصائد الشعرية
ومنها قول الإمام الشافعي رحمه الله

لقد زان البلاد ومن عليها
إمام المسلمين أبو حنيفة
بأحكام وآثار وفقه
كآيات الزبور على الصحيفة
فما بالمشرقين له نظير
ولا بالمغربين ولا بكوفة
فرحمة ربنا أبــدا عليه
مدى الأيــام ما قرئـت صحيفة


قصيدة من ديوان الشافعي رحمه الله

وكذلك قال الشاعر العراقي عبد الستار النعيمي قصيدة جميلة
في مدحه وهي:

لأبي حنيفة في العلوم لواء
... وبه إستظل على المدى علماء
فهو المعظم في أئمة عصره
... وزعيمهم مهما بدت آراء
فاضت خزائن علمه فأستلهمت
... منها العلوم جهابذ فقهاء
هو سيد الفقهاء حادي ركبهم
... وعلى يديه تتلمذ البلغاء
عجز التقاة يواكبوه بزهده
... وفي نداه تحير الكرماء
هو منبر للجود رمز للهدى
... هو بالشريعة روضة غناء
كل المشايخ في العلوم عياله
... فهو الأصيل وكلهم وكلاء
لله درك من إمام عالم
... شهدت له الأصحاب والأعداء
ياكوكباً فاق النجوم بفضله
... وعلى البسيطة واحة خضراء
ياتاج بلدتنا وأشرف ساكن
... للأعظمية صار منك بهاء

ولادته وحياته




ولد النعمان بن ثابت المعروف بأبي حنيفة سنة (80 هـ 699م) و لد في الكوفة وكانت آنذاك حاضرة من حواضر العلم، تموج بحلقات الفقه والحديث والقراءات واللغة والعلوم، وتمتلئ مساجدها بشيوخ العلم وأئمته، وفي هذه المدينة قضى أبو حنيفة معظم حياته متعلما وعالما، وتردد في صباه الباكر بعد أن حفظ القرآن على هذه الحلقات، لكنه كان منصرفا إلى مهنة التجارة مع أبيه، فلما رآه عامر الشعبي الفقيه الكبير ولمح ما فيه مخايل الذكاء ورجاحة العقل أوصاه بمجالسة العلماء والنظر في العلم، فاستجاب لرغبته وانصرف بهمته إلى حلقات الدرس وما أكثرها في الكوفة، فروى الحديث ودرس اللغة والأدب، واتجه إلى دراسة علم الكلام حتى برع فيه براعة عظيمة مكّنته من مجادلة أصحاب الفرق المختلفة ومحاجّاتهم في بعض مسائل العقيدة، ثم انصرف إلى الفقه ولزم حماد بن أبي سليمان، وطالت ملازمته له حتى بلغت ثمانية عشر عاما.

"الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة"


لقد يسر الله للإمام أبي حنيفة أسباب طلب العلم، ورزقه الله القبول بين الخلق، وهيأ له من التلاميذ النابهين من حملوا مذهبه ومكنوا له، وحسبه أن يكون من بين تلاميذه أبو يوسف، ومحمد بن الحسن، وزفر، والحسن بن زياد، وأقر له معاصروه بالسبق والتقدم، قال عنه النضر بن شميل: "كان الناس نياما عن الفقه حتى أيقظهم أبو حنيفة بما فتقه وبيّنه"، وبلغ من سمو منزلته في الفقه أن قال الشافعي: "الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة".

كما كان ورعا شديد الخوف والوجل من الله، وتمتلئ كتب التاريخ والتراجم بما يشهد له بذلك، ولعل من أبلغ ما قيل عنه ما وصفه به العالم الزاهد فضيل بن عياض بقوله: "كان أبو حنيفة رجلا فقيها معروفا بالفقه، مشهورا بالورع، واسع المال، معروفا بالأفضال على كل من يطيف به، صبورا عل تعليم العلم بالليل والنهار، حسن الليل، كثير الصمت، قليل الكلام حتى ترد مسألة في حلال أو حرام، فكان يحسن أن يدل على الحق، هاربا من مال السلطان".
وفاته
وتوفي أبو حنيفة في بغداد بعد أن ملأ الدنيا علما وشغل الناس في (11 من جمادى الأولى 150 هـ = 14 من يونيو 767م).يقع قبره في مدينه بغداد في منطقة الأعظمية على الجانب الشرقي من نهر دجلة.